كيف كان في مكة مكانًا مخصصًا لتبادل السِّباب؟! - مدونة - مكتبات الشروق
كيف كان في مكة مكانًا مخصصًا لتبادل السِّباب؟!
الإثنين 12 يوليه 2021

في كتابه "وقائع عربية" يحكي محمد المنسي قنديل عن مكان في مكة كان مخصصًا لتبادل السِّباب، يقول:

«كان هناك مكان محدد يتبادل فيها الجميع السِّباب. كان يسمى "صفي السِّباب" ويقع خارج مكة، بعيدًا عن الشعب الحرام والأماكن المقدسة، متسع من الأرض عند منعطف الوادي تم اختياره بعناية؛ لأنه كان مليئًا بالحصى الرفيع الصالح للتراشق، ومتسع من الأرض صالح للتشابك بالأيدي وللمبارزة بالسيوف إذا لزم الأمر، أهم ما يميزه أن الغربان لم تكن تفارق تلاله، كانت تترقبهم جميعًا في صمت حصيف، وتنتظر من يسقط منهم دون أن تبالي من السابب ومن المسبوب.

في بداية يوم السِّباب يجيء السادة من قريش، سادة بني مخزوم ومناف وقصي بن كلاب وبني أمية، تقف كل جماعة منهم في مواجهة الأخرى، ويبدءون في ذكر أنسابهم للمرة المائة، ويعلون بمفاخرهم على الآخرين للمرة الألف، ثم تأخذ كل جماعة في الطعن في نسب الأخرى وتبالغ في معايبها وهوانها على الناس، وعندما تستبد بهم الحماسة وتعلو نبرة السباب ينسون صلات الرحم، وما بينهم من وشائج، تتبدد الكلمات الطيبة التي قالوها لبعضهم حول الكعبة وقصائد الشعر المعلقة على بابها، ينزعون من على أجسادهم العباءات الثمينة ويقفون نصف عرايا، تستيقظ الضواري الرابضة في أعماقهم وتفرد مخالبها، فيشككون في أنسابهم ويرفعون الأقنعة عن أولاد البغايا الذين أصبحوا سادة، وأولاد السادة الذين يسرقون الحجيج من أجل البغايا، وتبلغ المناقشة أقصى درجات احتدامها فيشدون لحى بعضهم البعض، ويوقعون العمائم الكبيرة على الأرض، ثم يقذفون بعضهم بالحصى الرفيع، ويظل الصدى يردد بقايا كلماتهم القذرة حتى بعد انصرافهم.

ثم يأتي الموالي والتابعون وغير المعترف بنسبهم، يقف سديف مولى عتبة بن أبي سديف في مواجهة شبيب مولى بني أمية، وخلف كل واحد منهم بقية العبيد، يلوحون بالسيوف وكل منهم يدافع عن سادته ويعيب سادة الآخرين، كانوا في العادة أكثر انفعالا من السادة، ينفسون من خلال السِّباب عن حنق أيام العبودية الطويلة ومرارة الأسر التي لا تنتهي، وعندما يشرعون السيف يبدأ القتال ضاريًا وبالغ القسوة، ويسيل دمهم غزيرًا فوق الحصى؛ لأن دم السادة أثمن من أن يسيل هكذا، وفي النهاية يحملون جثثهم وبقايا جرحاهم وأحزانهم الدفينة وينصرف كل مولى إلى سيده.

ثم تأتي الجواري من حبش وروم، يتشاجرن من أجل من أصيب من الموالي وحول من أهين من السادة، حول أيام الخدمة الطويلة تحت أقدام السيدات، الليالي المظلمة حين يأتي إليهن سيد لا يظهر وجهه ويقضي وطره دون كلمة واحدة، وحول اختطافهن وأسرهن ورحلتهن الطويلة بين أسواق النخاسة والمزايدة على لحمهن الرخيص، وحول حلمهن الضائع في بيت واحد ورجل واحد، يتشاجرن حول نظرات الاحتقار وآهات الاحتضار والإحساس الدائم بالانكسار، وتشد كل واحدة منهن شعر الأخرى وتمزق ثيابها، وينصرفن داميات الروح والجسد.

لطلب الكتاب:

تُغيِّب القبور الأجساد ولكن الأرواح تظل حية، طليقة، تملأ الأثير من حولنا وتتسرب إلى لحظاتنا المعيشة لتروي قصصها. التاريخ لا يموت، ولا تكف أطيافه عن التشكل، ملوك وأمراء وفرسان شعراء، عشاق لنساء فاتنات، وفلاحون لا يتوقفون عن الزرع والقلع، يحيطون بنا أحيانًا كالقيد، وأحيانًا أُخر يلهموننا الرؤية بشكل أعمق. التاريخ هو شغف، خلاصة التجربة الإنسانية، إدراك أن الحياة لا تنتهي والأمل لا ينقطع.
هذا الكتاب يستنطق أرواح الأسلاف ويقدم سلة مليئة بحكاياتهم الشائقة، لا تنتمي للتاريخ الكبير بوقائعه المشهودة، ولكنها تغوص خلف تفاصيل التاريخ الصغير؛ تاريخ الناس الذين يعملون في صمت، ويموتون دون أثر من أجل استمرار مسيرة الحياة؛ وكلها ترسم صورة مرحة أحيانًا ومأساوية أحيانًا أخرى لكل العصور العربية، وتقودنا في النهاية إلى مصر أمِّ التاريخ التي عاشت كل طبقاته ودفعت ثمن وجودها غاليًا. هذا كتاب موهوب للمتعة الخالصة، لصفاء النفس واستخلاص العبر، حكايات كنبض القلب، وأسلوب يختزن روح الشعر.

شارك بتعليقك
جميع الحقوق محفوظة - مكتبات الشروق 2021