كتاب السما| هل الأبراج حقيقة أم وهم؟ - مدونة - مكتبات الشروق
كتاب السما| هل الأبراج حقيقة أم وهم؟
الجمعة 4 يونيو 2021

في كتابه "كتاب السما" يتناول الكاتب شادي عبد الحافظ موضوع الأبراج.. فيقول:

يحدث أن تقرأ في الصحيفة الصباحية توقعات لبرج الأسد تقول إنك سوف (تحصل على حب جديد اليوم)، ثم في المساء تلتقي فتاة جميلة تُدعَى سارة، زميلتك الجديدة القادمة للعمل من فرع الشركة في مدينة مجاورة، ألا يعني ذلك أن الأبراج صدقت في توقعاتها؟ وأن تلك الفتاة هي إذن ذلك الحب الجديد؟ إذا حدث ووقعت في حب سارة، فهل يمكن القول إن التوقُّع الصباحي الدقيق قد نجح؟

أنتِ بالفعل من برج الحمل، وتتفق صفات هذا البرج تمامًا مع صِفاتكِ الشخصية، كالعفوية مثلًا، وكون امرأة برج الحمل شغوفة بالحب وذات عواطف جياشة أكثر عمقًا واستمرارًا، حتى إن صديقاتكِ يقُلن ذلك عنكِ بشكل دائم، ثم إن "يُمنى" و"أمل" و"جنا" يحملن الصفات نفسها، وهن أيضًا من برج الحمل، ألا يعني ذلك أن لتلك الأبراج رابطًا حقيقيًا مع الواقع؟ أليس ذلك واضحًا لكل الناس؟

تواريخ الأبراج وصفات كل برج وطريقته في الحب | احكي

ذلك، في الحقيقة، هو ما لا يتحدث فيه أحدٌ، بمعنى أن الكثيرين يخرجون لنا يوميًّا للقول إن التنجيم، الذي يُعرّف بأنه الإيمان بوجود رابط بين أحداث فلكية وحياة البشر هنا على الأرض، هو شئ غير علمي، ويقول رجال الدين إنه محرم، لكن لا أحد يود أن يبدأ من النقطة الصحيحة التي تلقى فيها سؤالك على طاولة النقاش، وهي أن التوقعات تحدث، ستقول لذاتك: "هل أنا مجنون إذن؟ كيف يمكن لي أن أصدق كل ذلك الهراء الذي تقولونه بينما تحدث توقعات الأبراج بالضبط؟".

حسنًا، لفَهم الأمر دعنا نبدأ بمثال شهير يضربه لنا فيلسوف العلم الأشهر "كارل بوبر"، خذ مثلًا نظريتيْ "ألفريد أدلر" و"سيجموند فرويد" النفسيتيْن، ولنفترض أن لدينا حالتيْن نريد تحليلهما بآليات كلٍ من "فرويد" و"أدلر"، الحالة الأولى لرجل قرر الإلقاء بطفلٍ في الماء وقتله، والثانية لرجل قرر التضحية بنفسه من أجل إنقاذ طفل من الغرق.

ما رأيك يا سيد فرويد؟

Sigmund Freud | medCampus


فرويد ممسكًا بالغليون: "حسنًا، فالحالة الأولى تصف أن هذا الرجل يعاني كبتًا تسببتْ فيه عقدة أوديب في طفولته، فدفعته لقتل الطفل، أما الرجل الثاني فقد عانى هو الآخر كبتًا؛ لكنه تعامل مع المشكلة بطريقة التعلية النفسية، أي إنه احتال على ذاته فعبَّر عن رغباته بأسلوب يقبله المجتمع كأن يعمل ذو الميول العدوانية ملاكمًا أو جنديًّا مثلًا".

الآن سنطلب من السيد أدلر تحليل الحالتيْن نفسهما:

アドラー心理学vsゲシュタルトの祈りvsアンパンマン|おまつのこまつ@Omatsuノchannel《貴方の心をYouTuBankin》|note

أدلر متأملًا لوحة على أحد الجدران: "ذلك سهل، في الحالة الأولى يعاني المريض مركَب نقصٍ يدفعه لأن يثبت لنفسه أنه قادرٌ على ارتكاب جريمة كتلك، أما في الحالة الثانية فقد عانى المريض مركبَ النقص نفسه؛ لكنه يحاول أن يثبت لنفسه أنه قادر على إنقاذ الطفل، وأن الحياة هي فرصة للمقاومة".

∎ الادعاء غير القابل للتكذيب Unfalsifiable:

هل تلاحظ ذلك؟ كل من أدلر وفرويد يدعيان أن الشئ نفسه، الكبت أو مركب النقص، يمكن أن يفسر حالتيْن متعاكستيْن تمامًا، وهذا غريب حقًّا، كيف إذن نقرر أي النظريتيْن صحيحة؟ لتبسيط الفكرة دعنا نفترض أن أحدهم، صديق لك يُدعىَى "أحمد"، يقول إنه سيأتي ليزورك، لو تأملت الأمر قليلًا لوجدت أن لو أتى أحمد لزيارتك في العيد لكان ادعاؤه صادقًا، لكن لو لم يأتِ، فهل يكون الادعاء كاذبًا؟

لا؛ لأن أحمد لم يُحدد موعد الزيارة، بل أطلق ادعاءً عامًّا، لو جاء العيد القادم ولم يأتِ أحمد فما زال ادعاؤه صادقًا، ولو انتظرنا مليار سنة إضافية فسيظل ادعاؤه صادقًا ما دام لم يحدد موعد الزيارة، هنا نقول إن هذا هو ادعاء غير قابل للتكذيب Unfalsifiable، لكي نتمكن من فحص صدق ادعاء ما من عدمه يجب أن يكون قابلًا للتكذيب، أي أن يحوي تنبؤات محفوفة بالمخاطر، كأن يقول المثل المصري الشهير: "قالوا الجمل طلع النخلة، آدي الجمل وآدي النخلة". بمعنى أوضح، ألقى أحدهم بادعاء واضح يقول إن الجمل قد صعد النخلة، لنفحص هذا الادعاء سنحضر الجمل ونضعه إلى جانب النخلة وننتظر عملية الصعود، كذلك وجب على أحمد أن يكون واضحًا في الادعاء، فيقول، سأزورك يوم الخميس القادم، إذا جاء الخميس فهي فرصة لاختبار صدق أحمد في كلامه.

ما يفعله المنجم ببساطة هو إطلاق العديد من الجمل الواسعة، تلك التي تحتمل عددًا كبيرًا من الإشارات، وتتقبل عددًا كبيرًا من المتغيرات، تنبؤ يقول "حب جديد اليوم"، هو تنبأ واسع للغاية يمكن أن يقبل كل إجابة ممكنة، كل فتاة تلتقيها صدفة أو عن قصد في هذا اليوم. لكن هل يستطيع المنجم أن يتوقع المستقبل قائلًا: إنك "في يوم الأحد، في أثناء سفرك للعمل في مدينة الغردقة، ستلتقي فتاة روسية تدعى ميلينا، وستُعجَب بك وتعطيك ألفَ دولارٍ؟" بالطبع لا، فهذا ادعاء محفوف بالعديد من المخاطر، ولذلك يمكن لنا تكذيبه حينما تجلس في الباص، فتجد أن رفيق السفر هو عم صبحي من مكتب البريد، وداعًا ميلينا.

∎ النبوءة المُحققة لذاتها Self-Fulfilling Prophecy:

الآن لنتأمل مفهوميْن غاية في الأهمية يجب أن نضعهما في الاعتبار بجانب القابلية للتكذيب، المفهوم الأول، هو ما نسمِّيه "النبوءة المُحققة لذاتها Self-Fulfilling Prophecy"، وهي التوقع الذي يجعل من نفسه صحيحًا بشكل مباشر أو غير مباشر، يشبه الأمر أن تقول لزميل لك قبل اختبار القدرات في كلية الشرطة مثلًا إنك تعرف أنه سيرسب، هنا سيتولد لديه شعور شديد بالخوف من الرسوب، فيتسبب ذلك في حالة توتر تمنعه من الانتباه في الاختبار فيرسب بالفعل. رسوبه لم يكن بسبب أنك توقعت ذلك، لكن لأنك دفعته لكي يرسب بالفعل.

النبوءات ذاتية التحقق منشرة للغاية في حياتنا اليومية دون أن نقصد، وتعمل عليها أجهزة السياسة والإعلام بشكل دائم لدفع الجمهور لتحقيق ما يتوقعه الإعلام؛ لكن الإعلام لا يتوقع شيئًا، هو فقط يخلق الحدث. في عالم الأبراج، كل ما تحتاجه إذن هو تنبؤ واسع فضفاض، يمكن تركيبه على أي شئ، سيقول البُرج: إنك "ستحصل على حب جديد اليوم"، ثم ترى فتاة ما، أي فتاة، فتسعى لتحقيق النبوءة دون أن تدري، ستحاول التقرب منها، ثم تقول لنفسك إن النبوءة تحققت، لكنك أنت من حققها متعمدًا.

∎ التحيُّز التأكيدي Confirmation bias:

المفهوم الثاني، هو ما نسميه التحيُّز التأكيدي Confirmation bias وهو تحيُّز إدراكك للأمور، بمعنى أنك ستتذكر دائمًا التنبؤات التي تحققت، وتنسى تلك التي لم تتحقق، تخيَّل مثلًا أنك تود شراء سيارة من النوع "كيا بيكانتو"، في كل يوم كنت تنزل فيه للشارع وترى الكثير من السيارات كيا بيكانتو إذ بك تبدأ في ملاحظتها في كل مكان، وكأن هناك رسالة لك تقول إن تلك السيارة هي المُختارة فعلًا، لكن كل ما حدث هو أن سيارات البيكانتو بالفعل موجودة في الشوارع بالمعدل نفسه كل يوم، لكنك تحيزت لملاحظتها والتركيز عليها. لهذا السبب، فإن ما يحدث حينما تقرأ خصائص الأبراج الخاصة بك هو تحيُّز فوري – لا تدركه – لتصديقها والتأكيد على مدى دقتها مهما كانت ضبابية ومتسعة لتقبل كل شئ، يُدعى ذلك تحديدًا بتأثير بارنوم، أو تأثير فورير، ويقول إن معظم الناس يميلون إلى قبول توصيف فضفاض للشخصية على أنه يصفهم بدقة، دون أن يدركوا أن هذا الوصف نفسه يمكن أن ينطبق أيضًا على أي شخص آخر.

∎ تأثير فورير Forer Effect:

لفَهم ذلك دعنا نتأمل تجربة برترام فورير النفساني الأمريكي، الذي أقنع الطلبة في قسم علم النفس سنة 1949 أنهم سيخضعون لاختبار شخصية جديد من إنتاج إدارة القسم، ومطلوب منهم أن يساهموا في تقييم دقته عبر اجتيازه ثم تقييم النتائج، هل تتفق مع شخصياتهم بالفعل أم أن الاختبار غير دقيق؟ ثم بعد ذلك أهمل فورير الاختبار وأهمل إجاباتهم تمامًا، وأعطى كلًّا منهم ورقة بها الكلام نفسه على أنها وصف لشخصيته كنتيجة للاختبار الذي اجتازه، ثم طلب منهم تقييم مدى اتفاق ذلك التقييم مع شخصياتهم، في أرقام بين 5 (أتفق بشدة، أنا هذا الشخص) و0 (ليس أنا أبدًا).

File:Bertram-Forer.jpg - Wikimedia Commons

كان الوصف يقول (جرِّبه على نفسك):

أنت بحاجة إلى الحب والتقدير.
تنتقد نفسك بنفسك.
لديك بالتأكيد بعض نقاط الضعف في شخصيتك، ولكن عادة ما تقوم بتعويضها. لديك إمكانات وقدرات لم تستثمرها بعد لصالحك.
أنت منضبط ومتحكم في أمورك ظاهريًّا، لكنك داخليًّا قلق وغير واثق بنفسك.
أحيانًا تتساءل بصدق إذا كنت قد اتخذت القرار الصحيح أو فعلت الشئ السليم.
تفضل التجديد والتنوع، ولا ترضى بأن تحيط بك القيود والحدود.
تعتز بكونك مستقلًّا، ولا تقبل آراء الآخرين العبثية.
تميل إلى أنه من غير الحكمة إطلاع الآخرين على أفكارك بسهولة.
تكون أحيانًا منفتحًا وكثير الكلام واجتماعيًّأ، بينما تكون منطويًا وحذرًا ومتحفظًا في أوقات أخرى.
بعض طموحاتك تميل لأن تكون غير واقعية.
تحقيق الأمان هو هدفك الرئيس في الحياة.

أُعِيد الاختبار نفسه مئات المرات على مدى سنين عدة، وكان معدل الإجابات هو 4.2، بل إن 40% من الطلبة الخاضعين للاختبار أعطوه 5، أي أن كل طالب تقريبًا أكد أن هذا الكلام يتفق بشكل شبه تام مع شخصيته، بل قال البعض أنه تفاجأ من مدى دقة وصف فورير لشخصيته، بينما هو في الحقيقة كلام ضبابي عام يصلح لأي شخص، ويتحمل كل الشخصيات، فمن منَّا لا يسعى لتحقيق الأمان؟ مَن منَّا لا يعتز بكونه مستقلًا؟ مَن منَّا لا يعتقد أن لديه إمكانات يمكن استخدامها؟

شارك بتعليقك
جميع الحقوق محفوظة - مكتبات الشروق 2026